الأطلسية

جريدة إلكترونية مغربية إخبارية مستقلة

 

 

 محيي الدين عبد الغني

 الواجب تعلمه لتفسير الدلالة العلمية القرآنية

بعد تجربة وتفكير عميقين في سؤال واجهني به المنكرون للقول إن القرآن كتاب علوم. كان السؤال يقول، إن كان القرآن الكريم يحتوي على نظريات علمية كما يدعي من أصطلح على تسميتهم بالمفسرين العلميين للقرآن الكريم، فلماذا لا تصرحون بها؟ وبذلك نتقدم الأمم قاطبة، ونوفر على الإنسانية طائل الأموال التي ننفقها على البحوث العلمية. كانت محاولة الإجابة عن هذا السؤال تشغلني كثيرا منذ أن كتبت كتابا في التفسير العلمي للقرآن ونشرته عام 2009 م تحت اسم " والذاريات ذروا"، وخصصت الجزء الأول منه للرد على من ينكرون مقولة إن القرآن كتاب علوم. صحيح إن القرآن يصف نفسه في أوائل سورة البقرة بأنه كتاب هداية، ولكن المنطق والواقع يقول أنه لا هداية دون تعليم، فالتعليم هو الوسيلة الوحيدة لهداية الإنسان. ولكن يبقى السؤال دون إجابة، لماذا لا نفهم النظريات العلمية الواردة في القرآن إلا بعد شرح العلماء لها؟ الإجابة في الحقيقة في غاية البساطة ولكنها صعبة الفهم على من لم يخض تجربة المواءمة بين أسلوب القرآن في تقديم الحقائق العلمية وأسلوب الباحثين في شتى فروع العلوم. القرآن يقدم لنا المعلومة العلمية في أسلوب مبسط يلبس ثيابا غير شفافة، ويحتاج إلى تدبر وفكر وعلم مسبق، من يستطيع أن يفهم – مثلا – حقيقة أن قطع السحاب في السماء تسيرها الرياح فتلقح بعضها بعضا؟ والتلقيح هنا يعني اتحاد الشحنة السالبة المتولدة في بعض قطع السحاب مع الشحنة الموجبة في بعضها الآخر، فهل ما اكتشفناه بعد نزول القرآن يشابه قوله عز وجل "وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ" ﴿الحجر: ٢٢﴾. إن المواءمة بين ما يقوله العلماء وما يقوله القرآن تحتاج إلى عنصرين مهمين:

الأول المعرفة الدقيقة للنظرية العلمية،

والثاني تحرير دلالة اللفظة القرآنية من تفسير من سبقونا، حتى لا يسيطر ويوجه طريقة تفكيرنا في التعرف على الدلالة القرآنية المحكمة.

إذن؛ فإن ما فعله عالِمُنا الجليل الدكتور محمد حسن حسن جبل رحمه الله تعالى (توفي في مارس 2015 م) يعتبر من الأعمال العظيمة التي تساعد على كشف أسرار القرآن الكريم العلمية.

خصائص متفردة للغة العربية

لم يقم هذا المعجم بشرح القرآن فحسب، بل كشف وأثبت بالدليل العملي بعض خواص لغتنا العربية المتفردة. المعجم يثبت بأسلوب علمي مقبول وجود علاقة بين (الصوت والدلالة). هذا يعني إن أصوات الحروف العربية ليست عشوائية، أو أنها مجرد أصوات توافق عليها أصحاب اللسان العربي في بدايات نشأة اللغة. وكذلك فإن التعرف على أساليب الاشتقاق الدلالي للمفردات القرآنية التي لها دلالة علمية سوف يساعدنا على تحسين فهمنا لكل من النظرية العلمية واللفظة القرآنية، فكثيرا ما يحمل اللفظ القرآني دلالة جديدة تتجاوز معارف الأجيال السابقة، وهذا الكلام موجه بالدرجة الأولى للباحثين في مختلف العلوم الطبيعية. ولذا فإني أدعو المتخصصين في اللغة أن ينكبوا على دراسة هذا المنهج وتوثيقه بأسلوب لا يدع مجالا لشك، حتى يصبح منهجا راسخا نعلمه لطلبة تفسير القرآن في المعاهد الجامعية المختلفة. وعندي فإن الدكتور جبل قد قدم من الأدلة العلمية العملية الكافية وبرهن على صحة هذا الأسلوب، فقد قدم عمليا تحليلا دلاليا للجذور العربية التي استخدمها القرآن الكريم. ولذا نستطيع القول إن هذا المنهج الذي اعتمده ابن فارس ومن بعده الدكتور جبل أفضل منهاج لمعرفة الدلالة العلمية واللغوية. ونكرر لقد استطاع الدكتور جبل أن يستخرج ،بأسلوب مقبول علميا؛ دلالات الحروف من الاستعمالات العربية، وبين وجود الارتباط الاشتقاقي والبنائي بين مختلف أعضاء أسرة الفصل المعجمي،في لسان القرآن الكريم. ونقتبس من المعجم قول الشيخ الكريم:"إن تبين صحة فكرتي: المعنى المحوري، و الفصل المعجمي، وتحققهما باطِّراد في آلاف التراكيب ومئات الفصول المعجمية؛ لا يفسر إلا بوجود ارتباط علمي يقيني بين الألفاظ ومعانيها بصورة مجملة، ثم بين مكونات الألفاظ ومعانيها بصورة مفصَّلة. ومكونات الألفاظ هي الحروف الألف بائية" اهـ.

مزيد من خصائص العربية

وفي كتاب آخر للكاتب الكريم عنوانه "في الاشتقاق اللغوي والمعجم الاشتقاقي"، يشرح بعضا من خصائص العربية، وفيه يعرض لخمس خصائص للغة العربية منها: المعنى المحوري، والفصل المعجمي، وتصاقب (= تقارب) الألفاظ لتصاقب المعاني ثم قال: "إن ذلك دال على إحكام العربية، وأن ألفاظها ليست عشوائية، وإنما لكل منها أصله الذي أُسْس عليه معناه المتعامَلُ به. وأردف:إن اللغة العربية لها أسرار، وليست كاللغات الأخرى تؤدي وظيفتها فحسب، وأنا قلت كل ما قلته - عن مميزات اللغة العربية- بناء على دراسة علمية بحته. وكل الخصائص الخمس المذكورة هي كَشْفُ لا اختراع، أي أنها متحققة في اللغة من أول الشعر الجاهلي إلى الآن، ونحن كشفناها ولم نخترعها وشأن هذه الخصائص كشأن قواعد النحو والصرف كُشفت ولم تخترع. فإذا سألتني عن سر هذا قلت لك ليس عندي جواب. وإنما هذه خصائص متحققة في اللغة أسهمت مع الأئمة في كشفها وتوضيحها، وليس لي علم بسر وجودها في العربية. وإنما أقول إن هذه اللغة العربية أَنفَسُ اللغات البشرية وتستحق أن نهتم بها بأقصى إمكاناتنا. ودعك من قول الأوربيين وتلاميذهم ليس هناك لغة أفضل من لغة. فإن اللغات تتفاضل في وظيفة اللغة وهي القدرة على التعبير. وما نراه من تقدم الإنجليزية والفرنسية والألمانية في انتشارهن واستعمال العالم لهن أكثر من العربية؛ فذلك من تقصيرنا تقصيرا فاحشا في حق لغتنا في تعليمها وفي الالتزام بها، مقابل دأبهم في الكد لخدمة لغتهم. ولله الأمر من قبل ومن بعد (أهـ، ص 74).

مزيد من خواص الفصل المعجمي

سبق أن ألمحت أنه أثناء دراستي لبعض المفردات القرآنية التي لها دلالة علمية؛ لاحظت إن الدلالة العلمية للفظة القرآنية يمكن استنباطها من كلٍّ من المعنى المحوري للفصل المعجمي (= الأصل الثنائي للفظة)، والمعنى المحوري للتركيب الثلاثي (= الجذر الثلاثي)، وبذلك يمكننا تأصيل المصطلحات العلمية وترجمتها من الإنجليزية إلى العربية، بل وتصحيح بعض الدلالات وتعديلها، أو شرح بعض النظريات العلمية، وربما توضيح نظريات لم يحسمها العلم بعد، وبذلك نقف على أرض صلبة عند ترجمة الكتب العلمية وأوراق البحوث العلمية، ولكن كل ذلك يحتاج إلى سرعة وحشد للهمم، ولا يجب أن يأخذ كلامي هذا على محمل رفض البحوث العلمية والاعتماد على التحليلات اللغوية فحسب، ولكني أقول بمزاوجة البحث العلمي مع التقصي عن الدلالة العلمية في اللفظة القرآنية. كل ما نحتاجه هو إعداد المفسر المدقق الذي يملك زمام لغة القرآن مع معرفة صحيحة للنظريات والمكتشفات العلمية الحديثة. ولاحقا سوف أعطي بعض الأمثلة التي تبين كيفية استنباط الدلالة العلمية من كلا من المعنى المحوري للفصل المعجمي والمعنى المحوري للجذر الثلاثي المشتق منه. قد يبدو هذا الكلام وكأنه "خيال علمي" يتأتى من الشوق الشديد إلى اللحاق بركب العلم والعلماء بعدما مرت علينا – نحن العرب – قرونٌ من التخلف، ولكن على كل مؤمن ألا يتعجب من كتاب كان الله سبحانه وتعالى هو المُخرِج له، فها هو يقول، عز من قائل: " كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ" ﴿١١٠ آل عمران﴾، فإلى جانب كمال مضمون الرسالة وجمالها، تتحقق له دقة وإبداع في الإخراج. ولكن كيف كان هذا؟

وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي

في بحثي عن طبيعة اللغة العربية وجدت شبه إجماع بين كثير من المتخصصين الغربيين والعرب بأن اللسان الذي نطقت به قريش كان من أقرب اللهجات السامية إلى ما يطلق عليه اللغويون مصطلح "اللغة الأصل"( Pro - Language). وهم يعنون بذلك أن لكل أسره من أسر اللغات توجد لغة ابتدائية تطورت منها اللغات اللاحقة. وبالنسبة لأسرة اللغات السامية يقولون بأن اللغة العربية هي أقرب اللغات السامية إلى هذه اللغة الأم ( Proto - semitic). ويعزون ذلك إلى عزلة الجزيرة العربية عن باقي المحيط المليء باللهجات واللغات الأخرى، مما يفسر نقاء اللغة العربية، ومن ثم احتفاظها بأكبر قدر من مقومات اللسان السامي الأول، وبقي من تراث هذا اللسان ما تجردت منه أخواتها، فتميزت عنها بفضل ذلك بخواص كثيرة يرجع أهمها إلى أمور ثلاثة هي:

1.   إنها أكثر أخواتها احتفاظا بالأصوات السامية، وزادت عليها بأصوات كثيرة.

2.   أنها – أي العربية – أوسع أخواتها جميعا وأدقها في قواعد النحو والصرف.

3.   أنها أوسع أخواتها ثروة في أصول الكلمات والمفردات. (منقول بتصرف يسير من كتاب فقه اللغة، د. علي عبد الواحد وافي، النسخة الالكترونية ص 129). وفيما يلي رسمان توضيحيان، أولهما يبين العلاقة بين "اللغة الأصل" (proto- afro-asiatic) لكل اللغات السامية، واللغة التي بدأت بها اللغات السامية. أما الشكل التالي فيبين العلاقة بين "اللغة الأصل، أو اللغة الأم" للغات السامية (Proto-semitic) واللغة العربية. والرسمان يوضحان أن اللغة العربية لم يدخلها الكثير من التغيير والتطورات التي تحدث تقريبا لكل اللغات نتيجة لاختلاط البشر، وتطورت وزادت مفرداتها بمعزل (نسبي) عن اللغات الأخرى.

التعليقات

إضافة تعليق