الأطلسية

جريدة إلكترونية مغربية إخبارية مستقلة

 

 


     محمد المزهري
 mazmed@outlook.com
في تغريده شهيرة  مؤرخة في السادس من نونبر 2012 صرح الرئيس المستقبلي للولايات المتحدة آنا ذاك  أن « التغيرات المناخية مفهوم تم اختراعه من طرف ومن أجل الصين لبلوغ تنافسية الشركات الأمريكية  ».  وبعد أربع سنوات، أي مباشرة بعد انتخابه رئيسا، خصص دونلد ترامب  مقابلة لجريدة ( نيورك تايمز ) اعترف خلالها بوجود رابط بين تغيرات المناخ وأنشطة الإنسان. ويصعب معرفة ما إذا كان ذلك تعبيرا عن  قناعات  راسخة،  خاصة وأن محيطه يتحفظ ويشكك في التغير المناخي بشكل علني. بعض المحللين يبررون هذا الموقف لدونلد ترامب برغبته في الظهور كشخصية مضادة للنظام ومعارضة للنخب التقليدية المرتشية. مما يجعل إعلانه صراحة عن تشكيكه في حقيقة نشرها النظام أمرا حتميا. هذه المواقف للرئيس تدفع للتساؤل حول السياسة التي سيتبعها مع العلم أنه خلال حملته الانتخابية بدا مناهضا للموروث القانوني لسلفه.  
رجوع الولايات المتحدة  للوراء على الصعيد المناخي
الرئيس الجديد يمكن أن يعيد النظر فعليا في السياسات التي أقرتها إدارة أوباما ويقلص دور وكالة حماية البيئة (EPA) . ويتجلى ذلك في عدة مواقف:
 - الإعلان في الرابع والعشرين يناير 2017  خلال توقيع مذكرات رئاسية والتي لا تكتسي أهمية قانونية كما هو الحال بالنسبة  للأوامر التنفيذية عن استئناف مشروع تمديد خط أنابيب كيستون XL و داكوتا أكسس. حيت أن الأول يهدف إلى نقل البترول المستخلص من الرمال النفطية من ولاية البرتا إلى مجمع التصفية بخليج المكسيك مع العلم أن خط الأنابيب الحالي  ينتهي  بمدينة كوشينغ بولاية  أوكلاهوما. بينما يهدف الثاني إلى ربط  ولاية داكوتا الشمالية بولاية إلينوي. صحيح أن استئناف هذه المشاريع مرتبط بعدة شروط حيث ما يزال التفاوض مستمرا بالنسبة لمشروع  كيستون XL  مع شركة  ترنس كندا  Transcanada  للطاقة بغية الحصول على أفضل النتائج الاقتصادية. وغم توقع ظهور جهات معارضة فإن هذه المشاريع يمكن أن تستأنف بالفعل.
- إمكانية تجاوز  التشريع  المنجمي  الذي تم تقويته في عهد أوباما بتجميد القروض الجديدة للأراضي المنجمية ومنع استعمال المتفجرات بالنسبة للمناجم المتواجدة بالمرتفعات,  لأنه مستهدف بالإجراء الخاص الذي أتخذه دونلد ترامب في التاسع عشر يناير  2017 ,  إذ يمكن إلغاءه  بالتصويت بالأغلبية البسيطة في مجلس الشيوخ خلال الستين يوما التي تلي تشريعه.  وفي هذا الصدد أعرب  ميتش ماكونيل  زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ  مسبقا عن استعداده للسير في هذا الاتجاه.  كما يمكن إلغاء  قانون حول تسربات الميثان في البنيات التحتية الخاصة بالتنقيب بنفس الطريقة .
 - احتمالية عدم تطبيق التشريع  المتعلق  بالسيارات والذي  يطالب المصنعين بتصميم محركات أقل استهلاكا للطاقة في حدود سنة 2025 وبالعمل على تطوير السيارات الكهربائية  بسبب ثغرة قانونية.  حيث  يمكن للمصنعين  سنة 2017 أن يختاروا عدم تطبيقه إذا ظهر أنه جد مكلف،  رغم أن وكالة حماية البيئة أعلنت أن تطبيق هذا التشريع ليس مفرط التكاليف،  الأمر الذي يحتاج إلى  تأكيد من  وزارة النقل الغير موجودة إلى حد الساعة.  وقد  يتكرر هذا التعطيل لعدة سنوات قادمة.
 - إلغاء  تنظيم  محطة الطاقة النظيفة   Clean Power Plant كما جاء في  برنامج ترامب الذي يعتبر أهم موروث من عهد أوباما وهو عبارة عن عدة  إجراءات يرتقب أن تخفض حصة الفحم في إنتاج الطاقة من 39 % خلال 2014 إلى 27 % في 2030 , بالتوجه نحو الطاقات المتجددة، لكن هذا الأمر يتطلب تدخل المحكمة العليا مما سيجعل الإجراءات تأخذ وقتا يفوق أربع سنوات وهي  مدة  ولاية رئاسية .
- معارضة اللوبيات  الفلاحية  التي تلقى دعما  من طرف الرئيس للتدابير المتخذة من طرف وكالة حماية البيئة (EPA)  التي  تسعى إلى الحد من تلوث مياه الأنهار. 
  إذا كان الرئيس الأميركي  لا يمكن أن يتخذ كل الإجراءات السابقة،  فإن بعض  الإمكانيات  تبقى متاحة ويمكن اللجوء إليها في الأسابيع المقبلة .  والتي  تثير مجموعة من  المخاوف بالقدر التي تثير بعض الشكوك,  حيث هناك  مخاوف الطرف المعارض من المجتمع المدني  للتوجه الذي يرغب الرئيس الأمريكي نهجه  عكس العمل المنجز من طرف الإدارات السابقة في ما يخص حماية البيئة,  ومخاوف الوسط العلمي  الذي  يخشى  أن يتم ببساطة مسح  قواعد بيانات النازا (NASA) و وكالة حماية البيئة  (EPA)  إذ حسب عدة مصادر اختفت الإشارة إلى التنظيمات المتعلقة بالمناخ من موقعي الوكالة الأميركية  و البيت الأبيض.
  أما الشكوك فترجع لوجود  مجموعة من العراقيل  على المستوى الوطني،  فضلا عن ضغط الرأي العام , فإن الرئيس لا يمكنه تعطيل كل التنظيمات والقوانين لأن السياسات البيئية تتخذ أيضا على مستوى الولايات الفدرالية, فعلى سبيل المثال: لا يمكن تجاهل القرارات التي تتخذها ولاية كاليفورنيا التي تملك سياسة مناخية وبيئية متقدمة، التي تؤثر على كل التراب الوطني الأمريكي و الدولي بالنظر إلى وزنها الاقتصادي حيث تحتل المرتبة السادسة عالميا في المنتوج الداخلي الخام  (6ePIB) و بعدد ساكنتها الذي يبلغ  40 مليونا.  كما يجب الأخذ بعين الاعتبار وزن لوبيات الطاقة المتجددة رغم أنها أقل من لوبيات المحروقات  والتي لا ترغب  في  التخلي عن مجال مهم للاستثمار لفائدة الصين.  سيما وأن بيكين حققت تقدما معتبرا خلال  السنوات الأخيرة في مجال  الطاقات المتجددة. 
 وأخيرا لا يجب نسيان  وزارة  الدفاع  كفاعل رئيسي  و التي سطرت تحديات وملفات إستراتيجية مرتبطة بالتغيرات المناخية مند عقد من الزمن،  بدءا بتقرير العمل البيئي المشترك 2010  ووصولا  لخريطة طريق 2014  للتكيف مع تغيرات المناخ والتي توضح  المخاطر والتهديدات المرتبطة بالظاهرة خاصة هشاشة المنشات العسكرية .  كما أن وزارة الدفاع تعتبر التغير المناخي  كمضاعف للتهديدات الأمنية.  وليس من المؤكد أن ترامب يرغب في قلب هذه الحقيقة، فمن الأجدر بالرئيس الجديد  أن  ينخرط في الدعم التقليدي الجمهوري لجيش قوي،  حيث يسود مؤخرا  لدى الجيش  انطباع  بأن حدة التغيرات المناخية  مشكلة إستراتيجية.
هل تتجه الولايات المتحدة للخروج من اتفاق باريس؟
  يطرح هذا التساؤل منذ الحملة الانتخابية حيمنا  وعد  ترامب  بالخروج  من اتفاقية باريس فعليا،  فهل يستطيع حقا  تنفيذ وعده ؟  يصعب تأكيد هذا الأمر لطول المساطر،  إذ يجب إشعار كتابة الاتفاقية الإطار للأمم المتحدة الخاصة بالتغيرات المناخية (CCNUCC)  على قرار إلغاء التوقيع على اتفاقية باريس سنة  بعد  المصادقة عليها أي في نونبر 2017  والذي تضاف إليها مدة ثلاث سنوات مما يجعل الأمر يتخطى ولاية ترامب،  لكن الخروج يظل ممكنا باللجوء إلى  البند 28   والذي ينص على أن أي دولة تخرج من الاتفاقية الإطار (CCNUCC)   تغادر أيضا اتفاقية باريس، الشيء الذي سيتطلب سنة واحة  فقط عوض ثلاثة سنوات  بالنسبة للانسحاب من اتفاقية باريس  لأن الاتفاقية الإطار وقعت منذ 1992  خلال قمة الأرض بريو البرازيلية.
 إن  قرار الخروج من اتفاقية باريس ستكون له نتائج وخيمة خاصة أنه لم يسبق لأي دولة أن جربت هذا الاختيار  (بعض الدول خرجت من بروتوكول كيوطو كروسيا وكندا واليابان )، حيث عبر ريكس تيليرسون الذي عين حديثا كاتبا للدولة في الخارجية الأميركية  في جلسة الاستماع له  أمام مجلس الشيوخ عن دعمه  لمسار التفاوض مصرحا أنه من الأحسن البقاء في طاولة المفاوضات، لأن أي دولة لا يمكن أن تحل المشكل لوحدها. وهو موقف التي  عارضه بشكل واضح  ميرون ابيل  الذي سيشرف على  تغيير إدارة وكالة حماية البيئة  بتأكيده  أن الخروج من اتفاقية  باريس ممكن شريطة معرفة الوقت المناسب.
يجب التذكير بأن  وعود الحملة الانتخابية ليست التزاما لا يمكن الخروج عنه فعلى سبيل المثال: عارض الرئيس ترامب بشدة اتفاقية 14 يوليوز 2015 المبرمة بين القوى الخمس الكبرى زائد واحد P5+1 و إيران  بشأن برنامجها النووي،  حينما أكد  أنه يود "تمزيق الاتفاقية" ،  لكن موقفه هذا تغير رأسا على عقب منذ بضعة أيام  بدعمه  علانية بمعية  الملك سلمان، ملك للعربية السعودية،  تطبيقا صارما لدات  الاتفاقية .  
   نهاية : خطوة انسحاب الولايات المتحدة  من اتفاقية  باريس، لا تساؤل فقط علاقتها  بشركائها الغربيين، بل أيضا العلاقة التي ترغب في بنائها مع الصين، والواضح أن بيكين  تتموقع  أكثر فأكثر  كرائد عالمي في مجال المناخ الذي اعتبر في عهد أوباما محورا هاما في التعاون الثنائي الأميركي الصيني، حيث أعلن الطرفان الأكثر إصدارا للغازات الدفيئة  (40% مصدرها الدولتين ) في اتفاق نونبر2014  عن أهداف لتقليص الإنبعاثات الغازية ، علما أن الصين تعتبر المستثمر العالمي الأول في مجال الطاقات المتجددة  الريحية والشمسية، إذ  تنفق مرتين ونصف أكثر من الولايات المتحدة  ( أكثر من 100 مليار دولار سنة 2015) كما ينتظر أن تستثمر 360 مليار دولار في إطار المخطط الخماسي  2016-2020 . إذا كان   الملياردير ( ترامب ) يحاول استفزاز  بيكين بإبداء رغبته في التخلي عن اتفاق باريس، فإن الصين لا تطالب هدية أكثر من ذلك. إذ خلال قمة دافوس ذكر الرئيس الصيني  كزي جينبينغ  الولايات المتحدة بالتزاماتها معتبرا اتفاق باريس نصرا تحقق بصعوبة ودعى جميع الموقعين عليه  بالتمسك به باعتبار ذلك  مسؤولية أمام الأجيال المستقبلية .  ترك الساحة  للصين في مجال محاربة التغيرات المناخية  ليس بالتأكيد قرارا مبشرا للمصالح الأمريكية التي يدافع عنها ترامب باستماتة.
كل هذا التخبط  يؤكد غيابا تاما لخط  سياسي قويم  ولمشروع  واضح المعالم،  اللهم محاولة نيل إعجاب كثلة انتخابية متذمرة عانى  جزء منها من التهميش من طرف أسلاف ترامب .
 والأكيد أن  الشعارات على تويتر لا تصنع سياسة.  كما أن الشتائم لا تقيم دبلوماسية .  بل على الإدارة الجديدة  أن تتهيأ لبداية تجربة مؤلمة بسبب كل هذا الطيش، إن لم تكن هذه التجربة  قد  بدأت بالفعل.


 ترجمة بتصرف  لمقال :
   retour en arrière ?  La politique environnementale et climatique de Donald Trump. Flou général ou vrai 
  ل   Bastien Alex  بجريدة   Tribune  بتاريخ 08/04/2017  عن موقع  http://www.iris-france.org/ 

التعليقات

إضافة تعليق