الأطلسية

جريدة إلكترونية مغربية إخبارية مستقلة

 

 

د. سوسان جرجس

سيرورة التثاقف فرضت نفسها في معاش الناس.. العولمة التقنية تربعت في تأثيرها على عرش العلاقات الاجتماعية.. تغيرت أنماط الحياة بما في ذلك تقسيم الأدوار بين الجنسين وتوزيع السلطات بينهما حتى لم يعد بالامكان التحدث عن نموذج واحد من العلاقات الزوجية .. لكن يمكن بالتأكيد التحدث عن نموذج عام ما زال يسيطر في المجتمعات التقليدية التي لم يصل التغيير الى عمق بناها الاجتماعية.

في مثل هذه المجتمعات التقليدية الذكورية يعتبر الزواج أهم مشروع في حياة المرأة. إنّه الضامن الأبرز أو ربّما الوحيد الذي يكفل لها مكانة اجتماعية تنال بها الاعتبار والحظوة. لتحقيق مثل هذا المشروع تتمّ تربيتها منذ الصغر على الخضوع والطاعة للمالك الذكر وخاصة الزوج. وتعتبر العقائد الدينية (وهنا نتكلم عن الدينين المسيحي والإسلامي) أكبر مساعد لترسيخ هذا المنهج السلوكي الحياتي بين الجنسين.

في الإنجيل المقدّس حضّ “بولس” الرسول على خضوع المرأة للرجل، إذ قال “أيتها النّساء اخضعن لرجالكنّ كما للرب، لأنّ الرجل هو رأس المرأة كما المسيح رأس الكنيسة”. وقد جاء في رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس “لتتعلّم المرأة في كل خضوع، ولكن لست آذن للمرأة أن تعلم ولا أن تتسلّط على الرجل بل أن تكون في سكوت، لأنّ آدم جُبل أولًا ثمّ حواء، وآدم لم يغوَ لكنّ المرأة أغويت فحصلت في التعدّي

إذا كان الدين الإسلامي قد أقرّ بالمساواة أو المؤاخاة الروحية بين الجنسين، إلّا أنّ خطابه الميتولوجي- الديني جاء تدعيمًا للنظام الأبوي بما ينضوي تحته من سيطرة ذكورية (جسدية أو رمزية) على المرأة التي يفترض بها الخضوع.

لقد أقرّ القرآن الكريم بأفضليّة الرجل على المرأة من خلال الآية التالية “ولهنّ مثل الذي عليهنّ بالمعروف، وللرجال عليهنّ درجة، والله عزيز حكيم” . كما جاء في الآية 34 من سورة النساء “الرجال قوّامون على النساء بما فضّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهنّ فعظوهنّ واهجروهنّ في المضاجع واضربوهنّ فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلًا إنّ الله كان عليًّا كبيرا.

بناء عليه ففي سياق العلاقة الجنسية بين الزوجين وخوفًا من نشوز المرأة، أباح الإسلام ضرب الرجل لزوجته كنوع من التأديب المحمّل بمدلولات العنف والسلطة الذكورية. وقد أوّل المفسرون الآية المذكورة أعلاه من سورة النساء على أساس رجاحة العقل والرأيّ عند الرجل ووجوب سيطرته على المرأة، لأنّ عقلها يساوي نصف عقل الرجل ، فضلًا عن مبرّر قوّامة الرجل على المرأة ضمن المجال البيتي- والذي انسحب لاحقًا على المجال العام- ممّا افترض بالزوجة واجب الطاعة نحو الزوج خاصة في الفراش وممارسة الفعل الجنسي؛ هذا ولا ننسى ما جاء في الحديث النبوي الشريف “لو كنتُ آمرًا أحدًا أن يسجدَ لأحد لأمرتُ المرأةَ أن تسجدَ لزوجِها لما لهُ من حقّ عليها.

لقد عملت العقائد الدينية إذًا على تكريس مبدأ خضوع المرأة للرجل في كل تفاصيل الحياة اليومية، سيّما ما يتعلّق منها باتّخاذ القرارات والكلام أمام الناس فضلاً عن كل ما له ارتباط بالعلاقة الجنسية.

وإذا كان الناس في الكثير من هذه المجتمعات (مسيحيون أو مسلمون) يهملون النص الديني بشموليته إلّا أنّ مخيالهم الذكوري يتعامل معه بشكل انتقائي يضمن أكثر ما يمكن من المكاسب السلطوية التي تضع الرجل في مرتبة أعلى من المرأة. وفي هذا المجال نرى التركيز على الآيات التي تتحدث عن الحجاب، تعدد الزوجات، الطلاق، العدّة، الميراث، الحضانة وغيره من الآيات التي من شأنها أن تعامل المرأة بموروث صحراوي عمره آلاف السنوات.

تهدف هذه القراءات الانتقائية إلى ترسيخ الوضع القائم، عبراستنباط لتمثلات متمحورة حول ثنائية السيطرة/ الخضوع. تؤثر هذه التصوّرات ذات السمة الجندرية في نمط الزواج المفضّل؛ فبعيدًا عن رغبة الرجل بالزواج من امرأة عذراء وجميلة، فهو يريدها أيضًا صغيرة السن؛ ليس فقط من أجل ضمان الإنجاب، وإنّما سيسهل عليه بذلك إعادة “تربيتها”، فتكون خاضعة له وتقدّم طاعته على طاعة والديها اللذين حرصا كل الحرص على تنشئة وتهيئة هذه العقلية الخاضعة.

ومن الأمور التي تلفت الانتباه في المجتمعات التقليدية هو حرص الغالبية العظمى من الرجال كما النساء على إقصاء المرأة رمزيًا من خلال إقصائها عن اللغة والمعرفة والعلم، حتى لكأن الجميع يطبق فيها المثال الشعبي القائل “أجمل حلية للمرأة هي صمتها”. بمعنى آخر فكلام المرأة إحضارٌ لها، ولو تكلّمت فهذا يعني أنّها حضرت وصارت كائنًا حيًا محسوسًا وفي ذلك تكسير لصورة النموذج المؤنث بوصفه جسدًا قصيًا ومعلّقًا في الفراغ الخيالي المذكر . إنّ حضور المرأة لغويًا وكلاميًا يهدّد حضور الرجل، وبالتالي فهو إما أن يُنفى أو يُحجّم تلقائيًا بالحدود التي تسمح بها شخصية الزوج وإما أن يستلزم عنفًا ذكوريًا بغية كبحه وتأطيره ضمن ما يناسب البناء الاجتماعي.

برغم التوصيف العام الذي بيّناه أعلاه إلّا أنّ هناك بعض الحالات المستجدّة التي تؤكد تحوّل المجتمع نحو إنصاف المرأة ونيل حقوقها الإنسانية. إنّ هذا التحوّل البطيء مرتهن بتضافر عدد من المتغيرات الاجتماعية ومن أبرزها تأخر سن الزواج عند المرأة وارتفاع مستوى تعليمها وعملها المأجور الذي خرج بها من حتمية الارتهان للرجل.

وإذا كان التغيير اليوم هو رهنٌ بأفراد وبسيرورات تثاقفٍ وعولمةٍ فرضت نفسها على المجتمعات، ولكن ألَمْ يحن الوقت بعد لكي يدخل التغيير في النصوص القانونية بدلاً من إعادة انتاجها ؟ ألم يحن الوقت لوجود علماء دين يكون لهم قراءة تأويلية جديدة تراعي روح العصر بدلاً من الاعتماد على ما قدمه المفسرون منذ آلاف السنين؟ ألم يحن الوقت لكي ندرك أن لنا هوية خاصة لا “غربية” ولا “صحراوية”؟

عن موقع الصدى نت

التعليقات

إضافة تعليق